القوه الحقيقيه للرجل هى أن يستطيع أن يقول ما يريد وقتما يريد أن يقول,و الرجوله الحقه هى أن يبذل المرء دمه و ماله و راحته و هناءه و دعته و طمأنينته و أهله و عياله و كل أثير عنده فى سبيل شيء واحد هو الكرامه,و الكرامه الحقيقيه هى أن يضع الانسان نفسه الأخير فى كفه ,و فكرته و رأيه فى كفه,حتى اذا ما أرادت الظروف وزن ما فى الكفتين رجحت عنده فى الحال كفة رأيه و فكره...كل عظماء التاريخ كانوا كذلك...بل أن مصرالفقيره اليوم فى العظماء قد عرفت ذات يوم رجالا من هذا الطراز...رجال لم يترددوا فى تضحية كل شئ من أجل فكره, و النزول عن كل متاع من أجل رأى...بمثل هؤلاء الرجال ربحت مصر كثيرا فى حياتها المعنويه و الفكريه...بل انى لا أبالغ اذا قلت أن الأمم لا تبنى و لا تقوم الا على أكتاف هؤلاء... و أن الخطر المخيف هو يوم تخلو أمه من أمثال هؤلاء...نعم ... و انه ليخالجنى الآن شئ من القلق اذ أنظر حولى فلا أكاد أرى فى مصر أثرا لهذه الفئه العظيمه... فناموس اليوم هو وطء الفكره بالأقدام ركضا خلف الجاه الزائف و المال الزائل, و انكار الرأى و الجبن عن اعلانه حرصا على الراحه و ايثارا للطمأنينه... و هكذا قد خلت صفحة تاريخنا من أسماء العظماء و عجت بلادنا بأصحاب الألقاب و حملة الشارات و راكبى السيارات! و حق لنا جميعا أن نسأل هذا السؤال: ما هى المعجزه التى تنهض هذا البلد و هو على هذا الخلق؟! و هل يطول غضب الله علينا فلا نظفر بعظيم من هؤلاء العظماء اللذين يستطيعون أن يردوا الاعتبار الى قيمة الرأى, و يطهروا النفوس من درن الماده, و يعيدوا المثل العليا النبيله الى مجدها القديم, و يرتفعوا بالأمه كلها الى سماء الخلق العظيم, اذا حدث ذلك فقد نجونا... و اذا لم يحدث فلا شئ ينتظرنا غير انحلال أكيد, و هبوط الى مرتبة العبيد
------------------------------------------------------------
الصفحتين 41 و42من كتاب (من البرج العاجى)للأستاذ توفيق الحكيم المنشور عام 1941


1 comment:
تحمل تبعات الجهر بالفكر الذى بدونه لا تنهض أمه و فى اطار من الخلق الرفيع هو ما دعى اليه أستاذنا توفيق الحكيم
و أقول بأن الليبراليه(حزمه من الحريات للفرد)قد أنهضت أمما فى عالم اليوم دون ضروره للاستناد على خلفيه
من سمو الأخلاق حيث أنها استبدلت بها قوة القانون كأداه لردع المنفلتين من مسيئى استخدام الحريات , و بذلك ألزمت مواطنيها بحد أدنى من الأخلاقيات
Post a Comment